يبدو أن الحكم الكردي في شمال شرق سوريا قد انتهى إلى حد كبير، ففي غضون أسبوعين فقط، تمكن الجيش السوري وحلفاؤه من طرد القوات الكردية، قوات سوريا الديمقراطية، من أجزاء واسعة من البلاد.

الوضع فوضوي وغير واضح، هناك وقف لإطلاق النار، لكن القتال مستمر، كما وردت أنباء عن عمليات إعدام ونهب وهجمات انتقامية، وتعرضت السجون ومعسكرات الاعتقال التي تضم مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية أو عائلاتهم لهجمات.

ماذا يحدث هناك؟
باختصار، إنه صراع بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، في مقابل عدة التزامات، يطالب الرئيس شرع بخضوع القوات الكردية للسلطة المركزية، ويتعين على قيادة قوات سوريا الديمقراطية تقديم خطة مفصلة بحلول نهاية هذا الأسبوع، وفقًا للإنذار، وإلا ستسقط آخر معاقلها.

ما يزيد الأمر تعقيداً هو إبرام العديد من الاتفاقيات ووقف إطلاق النار خلال العام الماضي، فعلى سبيل المثال، تم التوصل إلى اتفاق في مارس 2025 بشأن جملة أمور، منها دمج القوات الكردية في الجيش السوري، إلا أن تفاصيل الاتفاقيات ظلت عالقة مراراً وتكراراً.

لا تزال قوات سوريا الديمقراطية تُركّز على ماضي الرئيس الشرع وقواته المتطرف، يقول خبير شؤون الشرق الأوسط، كاوا حسن (مركز ستيمسون): “يتألف الجيش السوري من فصائل مختلفة من الميليشيات ذات الجذور الجهادية، والتي تُسجّل عليها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”، ويوضح أن الأكراد لا يثقون بنجاح عملية الاندماج.

لكن الشرع مصمم على إخضاع القوات الكردية لسيطرته، وقد تمتعت منطقة روج آفا، كما تُعرف، باستقلال فعلي عن بقية سوريا لسنوات، يقول عبدو بوزيردا، وهو صحفي في مكتب الشؤون الخارجية بقناة VPRO ويتابع الصراع عن كثب: “كانت قوات سوريا الديمقراطية بمثابة الملك الأعور في أرض العميان خلال الحرب الأهلية السورية، لكن الواقع السياسي الآن يُجبر هذه المناطق على أن تصبح جزءًا من سوريا”.

ما هي المعلومات المتوفرة عن انتهاكات حقوق الإنسان؟
وردت أنباء عن هجمات انتقامية دموية في حلب والرقة ودير الزور، وغيرها من المناطق، وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بإعدام أربعة شبان أكراد في الرقة، حيث يُزعم أنهم قُتلوا رمياً بالرصاص على يد مسلحين قبليين يعملون بالتعاون مع الجيش الحكومي، ويستند المرصد، ومقره المملكة المتحدة، في استنتاجاته إلى شهادات شهود عيان ومقطع فيديو للجثث.
يشبه الوضع الحالي موجات العنف السابقة، فعلى سبيل المثال، انتشرت العام الماضي في مدينة السويداء الجنوبية مقاطع فيديو وصور تُظهر إذلال المدنيين وقتلهم عمداً، ولا يزال حجم انتهاكات حقوق الإنسان في شمال شرق البلاد غير واضح، لكن حتى قيادة قوات سوريا الديمقراطية تتحدث عن عمليات قتل مستهدفة ضد الأكراد.
حسن: “لقد ساد جوٌّ يُنظر فيه إلى الأكراد على أنهم سبب كل المشاكل في سوريا، هذا التحريض يُهيئ الظروف المثالية للتطهير العرقي”، ويُعرب خبير شؤون الشرق الأوسط عن قلقه البالغ إزاء ما سيحدث في الأيام المقبلة.

يصف بوزيردا الوضع بالخطير، لكنه يؤكد أن انتهاكات حقوق الإنسان تحدث من كلا الجانبين، فعلى سبيل المثال، وردت أنباء عن هجوم بطائرة مسيرة نفذته وحدات حماية الشعب الكردية استهدف سيارة تقل مدنيين، ويعرب عن أمله في أن يكون الجيش السوري قد بلغ مستوىً كافياً من الكفاءة المهنية لمنع تصاعد الموقف.

من يقاتل من؟
في حربها ضد قوات سوريا الديمقراطية، تتلقى القوات الحكومية دعماً من السكان العرب والبدو المحليين، وكانت قوات سوريا الديمقراطية تضم في السابق العديد من المقاتلين العرب، إلا أنهم انسحبوا منها بأعداد كبيرة في السنوات الأخيرة.

يوضح بوزردا قائلاً: “كان العديد من العرب في المنطقة غير راضين عن السلطات الكردية، إذ شعروا بأنهم يتعرضون للتمييز”، ويضيف أن هذا يفسر سرعة التقدم العسكري، وسبب ابتهاج السكان العرب بالسيطرة على مدن مثل الرقة ودير الزور.

كانت قوات سوريا الديمقراطية في السابق تحالفًا واسعًا يضمّ مختلف الجماعات العرقية، لكنها تتألف الآن في المقام الأول من مقاتلين أكراد، ولها عدة فروع، مثل وحدات حماية الشعب (YPG) والفرع النسائي لوحدات حماية المرأة (YPJ)، كما تضمّ مقاتلين من حزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو حزب تصنّفه تركيا المجاورة منظمة إرهابية.

ما هو الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة؟
تلعب إدارة ترامب دورًا محوريًا في هجوم الجيش السوري، فقد انحازت واشنطن علنًا إلى جانبه، وتدعو قوات سوريا الديمقراطية للانضمام إلى الجيش الوطني، ولم يتدخل الجيش الأمريكي في الوقت الذي تراجعت فيه القوات الكردية، التي كانت حتى وقت قريب حليفًا أساسيًا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

بوزيردا: “لم تخفِ الولايات المتحدة قط حقيقة أن الأكراد كانوا حلاً مؤقتاً، والآن بات الأمريكيون مقتنعين بأن الشرع هو شريك أفضل بكثير، ولهذا السبب تخلت واشنطن عن الأكراد تماماً”.

أفاد مصدر أمريكي مجهول لوكالة رويترز أن الشرع كان “خبيراً استراتيجياً بارعاً”، ووصفت الوكالة كيف حُسم مصير قوات سوريا الديمقراطية في عدة اجتماعات عُقدت مؤخراً بين وفود أمريكية وإسرائيلية، وقال حسن: “انتهى الأمر بالنسبة لقوات سوريا الديموقراطية”.

 

المصدر: NOS