تزخر منطقة شارع نيو بينينفيخ والمنطقة المجاورة لها شارع سخيدامسيفيخ برواد الأعمال، ولا سيما ذوي الأصول السورية، فما الذي يجعل هذه المجموعة بهذه الروح الريادية؟

بقلم لينا المكريني لصحيفة Rijnmond

افتتح حسام كاجوج (56 عامًا) سوبر ماركت حلب في شارع نيو بينينفيخ في نوفمبر الماضي، يشير الاسم إلى مسقط رأسه، مع أنه ليس متجرًا مخصصًا لجالية واحدة فقط، يقول حسام: “لديّ منتجات سورينامية وإيرانية وهولندية ومغربية وتركية وسورية، لقد حرصت على أن يجد كل شخص ما يحتاجه”.
رأى ثغرة في السوق، أو بالأحرى، في الشارع: “لاحظتُ أيضاً عدم وجود جزار”، يشير إلى المنضدة خلفه، حيث يعيد ابنه ملء رفوف شرائح الدجاج، وهكذا حُلّت المشكلة.

توصيل البقالة
لم تبدأ رحلة حسام الريادية في متجر بل في حافلة، قبل عشر سنوات، في مراكز اللجوء في زيلاند، لاحظ حسام مدى افتقار الناس إلى احتياجاتهم الأساسية، يقول موضحًا: “لا يوجد سوى عدد قليل من المتاجر الأجنبية في زيلاند، لكن الطلب على المنتجات العربية مرتفع”، لذلك قرر أن يُقدّم لهم متجرًا في متناول أيديهم.
لسنوات، كان يقود سيارة مرسيدس سبرينتر مجهزة تجهيزًا جيدًا إلى القرى ومراكز اللجوء في جميع أنحاء هولندا، ولا يزال هذا المستودع المتنقل يعمل، بالمناسبة: “اليوم، تذهب الحافلة إلى خرافنديل”.


يقوم حسام بجرد الحمولة قبل مغادرة الحافلة

يفتح الباب الخلفي، تفيض أكياس المنتجات السورية، وتُرصّ بضع عشرات من البيض بشكل مدروس فوق بعضها البعض، وتتناثر عدة علب من القهوة العربية والزبادي التركي في صندوق السيارة، يضع حسام يده على صدره ويقول: “الحمد لله، الحافلة تعود دائمًا فارغة”.

حسام ليس استثناءً، فالعديد من المحلات التجارية في الشارع نفسه مملوكة لأشخاص من أصول سورية، وغالباً ما تكون هذه المحلات شركات عائلية، وأحياناً تعمل فيها أجيال متعددة في آن واحد.
ارتفع عدد السوريين في هولندا من حوالي 10,000 إلى أكثر من 165,000 خلال السنوات العشر الماضية، وفي عام 2019، أحصى مكتب الإحصاء الهولندي (CBS) ما يقرب من ثلاثة آلاف شخص من أصول سورية في روتردام، وفي العام الماضي، بلغ عددهم ما يقرب من خمسة آلاف، وفقًا لبيانات مكتب الإحصاء الهولندي.
أظهرت إحصاءات وطنية صادرة عن غرفة التجارة سابقاً أن السوريين الهولنديين يبادرون نسبياً إلى تأسيس مشاريعهم الخاصة، لا سيما في قطاعي الضيافة والتجزئة، وفي الوقت نفسه، لا تزال شريحة كبيرة من هذه المجموعة تعاني من هشاشة اقتصادية، وفقاً لتحليل أجرته مجلة EW.

التجارة في حلب
حسام من حلب، ويقول إن هذا يفسر الكثير: “العائلة بأكملها تعمل في التجارة”، يقول: “في الواقع، كل سكان حلب”، يضحك، “وخاصة تجارة المواد الغذائية”.
على بُعد أمتار قليلة يقع متجر بودابست للمكسرات، الذي يملكه حمزة، وهو أيضاً من حلب، الباب مفتوح، وتفوح رائحة المكسرات المحمصة وحبوب القهوة العربية في الرصيف، تتألق الحلويات كالحلوى الطحينية في واجهة العرض تحت الأضواء الساطعة.
في هذه الأثناء، يتبادل حسام وحمزة النكات حول كثرة المحلات التجارية السورية التي يزخر بها الشارع الآن. ومن المصادفة أن محل آيس كريم ابن حمزة يقع مقابل محل المكسرات مباشرةً، يقول حمزة: “العمل، العمل، العمل، هذا ما نفعله في حلب، لا يفعلون ذلك في دمشق”، انفجر الرجلان ضاحكين، وربت كل منهما على كتف الآخر، هذا يُظهر بوضوح أن التنافس بين المدن (مثل التنافس بين أمستردام وروتردام) أمرٌ عالمي.

كما الأب، كذلك الابن
في شارع سخيدامسيفيخ، افتتح محمد كرم، البالغ من العمر 24 عامًا، وهو أيضًا ابن حمزة، شاحنة طعام قبل شهر، يتشكل طابور صغير أمام باب الشاحنة، تصدر المقلاة صوت أزيز، يُقدّم لأحد الزبائن قطعة فلافل ساخنة، ينظر الطاهي، وينتظر إيماءة، ثم ينتقل إلى الطلب التالي.
بحسب محمد، لم يكن هناك مكان يُحضّر فيه كل شيء طازجًا، وهو واثق جدًا من ذلك، إذ يقول: “جرّب بنفسك، وستعرف، الزبائن الذين تناولوا الطعام هنا سيعودون حتمًا في غضون نصف ساعة”، لو كان الأمر بيده، لما توقف عند هذه الشاحنة، فهو يطمح في غضون سنوات قليلة إلى امتلاك موقع دائم واحد على الأقل في روتردام.

محمد كرم والطاهي وقت الغداء في شاحنة الطعام الجديدة

في كرسي الحلاقة
بعد مسافة قصيرة، تسمع صوت ماكينات الحلاقة في صالون عبد العزيز (51 عامًا)، يدير عبد العزيز هذا العمل منذ خمس سنوات، لكنه نشأ في هذه المهنة طوال حياته، ترعرع في عفرين، وهي مدينة قريبة من حلب، يقول: “كان لديّ صالون حلاقة خاص بي هناك”.

ابن عبد العزيز يقص شعر أحد الزبائن الدائمين

بعد اندلاع الحرب، عمل في تركيا، ثم في هولندا، وفي هذه الأثناء، حصل على شهادته الهولندية، وهي شرط أساسي لممارسة الأعمال التجارية المستقلة، عندها فقط بدأ عبد العزيز مشروعه الخاص.
يقول: “حلمي أن أفتتح محلاً كبيراً، فيه الكثير من الكراسي، والكثير من الزبائن”، ثم يلقي نظرة خاطفة على ابنه الذي كان يقص شعر أحد الزبائن الدائمين، ويضيف: “لكن ليس لي، بل لابني”.

 

المصدر: Rijnmond