ازدادت حدة التوتر في العلاقات المتوترة أصلاً بين إسرائيل وتركيا عقب الهجوم الإسرائيلي على قاعدة جوية سورية، ويتزايد الخلاف بين القوتين الإقليميتين في سوريا، إلا أنه لا يبدو أن أياً منهما يرغب في مواجهة عسكرية مباشرة.

اتهم وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس الرئيس التركي أردوغان بجر بلاده إلى “مغامرات خطيرة”، وقد قصفت إسرائيل قاعدة أبو ظهر الجوية في شمال غرب سوريا يوم الثلاثاء، بعد أن أفادت التقارير بزيارة وفد عسكري تركي لها.

بحسب إسرائيل، هددت سوريا بانتهاك الاتفاقيات المتعلقة بالوضع الأمني ​​بالسماح للقوات التركية بدخول القاعدة، وقال رئيس الوزراء نتنياهو إن دمشق تلقت تحذيراً مسبقاً، وأضاف: “كانت رسالتنا واضحة جداً: لا تفعلوا ذلك، أعتقد أنهم لم يفهموا الرسالة جيداً”.

تنفي سوريا أن تكون تركيا قد اعتزمت نشر قوات بشكل دائم في أبو ظهر، بل تؤكد تركيا أنه لم يكن هناك أي وفد عسكري تركي في القاعدة لا قبل الهجوم ولا أثناءه.

يُشكّل هذا الصدام الحاد تناقضاً صارخاً مع العلاقات التي كانت سائدة قبل بضعة عقود، ففي عام 1949، كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل، وفي أواخر التسعينيات، وخلال السنوات الأولى من تولي أردوغان رئاسة الوزراء، تعاون البلدان تعاوناً وثيقاً، بما في ذلك التعاون العسكري.

شهد عام 2010 نقطة تحول رئيسية، عندما قُتل تسعة نشطاء أتراك على يد جنود إسرائيليين أثناء محاولتهم إيصال مساعدات إلى غزة على متن السفينة التركية مافي مرمرة، ومنذ ذلك الحين، اتسمت العلاقات بالتوتر بشكل متكرر.

في عام 2022، جرت محاولة أخرى لتطبيع العلاقات، لكن هذا التقارب سرعان ما تعرض لضغوط بسبب الحرب في غزة، يُعد أردوغان من أشد منتقدي إسرائيل، ويحافظ على علاقات مع حماس، التي تعتبرها تركيا حركة مقاومة، على عكس إسرائيل.

تشكل سوريا، على وجه الخصوص، الآن نقطة محورية جديدة، يقول روب جيست بينفولد، المحاضر في الأمن الدولي في كلية كينجز كوليدج لندن، لشبكة NOS: “بالنسبة لإسرائيل، أصبحت سوريا بمثابة ساحة معركة بالوكالة”، ووفقًا له، تتهم إسرائيل أردوغان بـ”العثمانية الجديدة”: محاولة توسيع النفوذ التركي إلى مناطق كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية.

المصالح في سوريا
منذ سقوط الرئيس الأسد في أواخر عام 2024، أصبحت تركيا من أهم حلفاء الرئيس أحمد الشرع، وتُدرّب أنقرة الجنود السوريين وتساعد في إعادة بناء الجيش.

تُولي تركيا أهمية بالغة لاستقرار سوريا، إذ تشترك معها في حدود تمتد على مسافة 900 كيلومتر، واستقبلت ملايين اللاجئين السوريين عقب اندلاع الحرب الأهلية، كما تسعى أنقرة إلى منع الميليشيات الكردية من تعزيز نفوذها على طول حدودها الجنوبية.

تنظر إسرائيل بعين الريبة إلى النفوذ العسكري التركي المتزايد، وفي الوقت نفسه، تسعى للتأثير على موازين القوى الجديدة في سوريا، فمنذ سقوط الأسد، شنت إسرائيل مئات الهجمات على أهداف عسكرية سورية، واحتلت منطقة عازلة جنوب سوريا تحت إشراف الأمم المتحدة.

بات الموقف المتشدد المتزايد تجاه تركيا واضحاً أيضاً في الحملة الانتخابية الإسرائيلية، فعلى لوحة إعلانية لحزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو في تل أبيب، يظهر أردوغان إلى جانب شخصيات أخرى، من بينهم المرشد الإيراني مجتبى خامنئي وزعيم حزب الله نعيم قاسم، وجاء في التعليق: “يريدون خسارة نتنياهو، لا تدعوهم يفوزون”.

كما ينتقد السياسي المعارض نفتالي بينيت تركيا بشدة، ووفقًا للخبير بينفولد، فقد اتسع نطاق انعدام الثقة ليشمل أكثر من مجرد حكومة نتنياهو.

بدورها، تتهم أنقرة نتنياهو بتصعيد التوترات لتحقيق مكاسب شخصية، ولذلك أدانت تركيا بشدة الهجمات الإسرائيلية، واتهمت إسرائيل بالسعي إلى زعزعة استقرار سوريا. فعلى سبيل المثال، صرّح برهان الدين دوران، رئيس قسم الاتصالات في الرئاسة التركية، بأن تصريحات نتنياهو بشأن تركيا وسوريا تعكس عزلته الدولية ومخاوفه السياسية.

ووفقاً لدوران، فإن تركيا معروفة دولياً بالتزامها بالسلام ولا تسمح لنفسها بالانجرار إلى محاولات تقويض الاستقرار الإقليمي.

بغض النظر عن مدى قسوة الكلمات، فإن الحرب بين إسرائيل وتركيا العضو في حلف الناتو أمر مستبعد، بحسب بينفولد: “فهذا ليس في مصلحة أحد”.

هجوم بدون سابق إنذار
لم تتلق تركيا أي تحذير مسبق بشأن الهجمات الإسرائيلية، ورأت الطائرات المقاتلة الإسرائيلية تحلق باتجاه الأراضي التركية، ووفقًا للمبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، كان بإمكان أنقرة الرد عسكريًا.
لذلك تحاول واشنطن إنشاء قناة اتصال أقوى بين إسرائيل وتركيا وسوريا لمنع وقوع حوادث عسكرية.

ويؤكد بينفولد أن هذا الأمر مهم أيضاً لحلف الناتو، ويتوقع في الوقت الراهن خطاباً تهديدياً وإدانات متبادلة، ولكن مع توسع نفوذ البلدين في سوريا، يتقلص هامش الخطأ.

 

المصدر: NOS