الآن وقد فقدت أوروبا قدرتها على الاعتماد التلقائي على الحماية الأمريكية، تُبذل كل الجهود لتعزيز دفاعاتها،حتى الأسلحة النووية باتت مطروحة على جدول الأعمال، لكن هل ترغب فرنسا وهي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تمتلك أسلحة نووية، في مشاركة رؤوسها الحربية مع بقية أوروبا؟
تتجه الأنظار اليوم إلى الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي سيلقي خطاباً طال انتظاره حول دور فرنسا في الدفاع النووي الأوروبي.
الرؤوس الحربية النووية في هولندا
فرنسا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تمتلك أسلحة نووية، لكنها تاريخياً كانت حريصة جداً على استقلالها النووي، وكان تقاسم الرؤوس الحربية النووية الفرنسية أمراً غير وارد لفترة طويلة، إلا أن الغزو الروسي لأوكرانيا وتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة غيّرا الكثير، وفي السنوات الأخيرة، يبدو ماكرون أكثر انفتاحاً على استخدام المظلة النووية الفرنسية لحماية أوروبا.
تعتمد الدول الأوروبية حاليًا بشكل أساسي على الأسلحة النووية الأمريكية لردع روسيا، وقد خزّنت الولايات المتحدة رؤوسًا نووية في عدة دول أوروبية، من بينها هولندا. ويُعدّ هذا التخزين شكلًا من أشكال الردع، إذ يهدف إلى تقليل احتمالية قيام روسيا بمهاجمة أي دولة أوروبية.
لكن تيم سويجس، خبير الحرب والأمن في مركز لاهاي للدراسات الاستراتيجية، يلاحظ أن “الدفاع الأمريكي يتراجع”، ويضيف: “لقد زرع الأمريكيون الشكوك هنا وهناك حول ما إذا كانوا سيقدمون لنا المساعدة في حال وقوع هجوم روسي”، علاوة على ذلك، وجّه الروس في السنوات الأخيرة تهديدات متكررة ضد أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، مستشهدين بأسلحتهم النووية.
خزانة جديدة
في دول مثل النرويج والسويد وبولندا، تتعالى الأصوات المؤيدة لإنشاء أنظمة ردع نووي خاصة بها، حتى في ألمانيا، وبعد سنوات من المقاومة، يناقش المستشار ميرز علنًا إمكانية إنشاء مظلة أوروبية للأسلحة النووية، كما تتخذ الحكومة الجديدة في هولندا “موقفًا بنّاءً تجاه تعزيز الردع النووي الأوروبي”، وفقًا لاتفاقية الائتلاف.
لكن كيف ينبغي أن يبدو هذا “الردع النووي الأوروبي”؟
يمتلك الفرنسيون بالفعل حوالي 290 رأسًا نوويًا، كما يمتلك البريطانيون أسلحة نووية، يقدر عددها بنحو 225 رأس نووري، ومعًا، فإن ما يمتلكونه أقل بكثير من الروس، الذين يمتلكون أكثر من 5000 رأس نووي.
تعد المملكة المتحدة جزءًا من الاتحاد الأوروبي، لكن البلدين يتزايدان في سعيهما للتعاون، فعلى سبيل المثال، شُكّلت لجنة توجيهية نووية بريطانية فرنسية العام الماضي، بهدف تعزيز التعاون في مجال الأسلحة النووية، وفي حال انسحاب الولايات المتحدة، يمكن للفرنسيين والبريطانيين توحيد جهودهما وتخزين الرؤوس الحربية النووية في مواقع مختلفة في أوروبا.
لا يزال هناك الكثير مما يجب حسمه
لا بد من اتخاذ المزيد من القرارات، كيف سيتم تمويل هذه المظلة النووية الأوروبية (أو الفرنسية الأوسع)؟ كيف ستُحدد السياسة المتعلقة بهذه الأسلحة النووية: هل ستُحددها الدول نفسها، أم عبر حلف الناتو، أم حتى الاتحاد الأوروبي؟ ومن سيُسمح له، عند الضرورة القصوى، بالضغط على الزر الأحمر وإطلاق سلاح نووي؟ من غير المرجح أن يرغب الفرنسيون في التخلي عن هذا القرار.
يختتم سويجس حديثه قائلاً: “لا يزال أمامنا الكثير من العمل قبل التوصل إلى تلك الاتفاقات السياسية والبدء في تنفيذها على أرض الواقع”، ويشير سويجس إلى أن ماكرون كان غامضاً إلى حد ما حتى الآن بشأن ما ترغب فرنسا في الالتزام به، والسؤال المطروح هو ما إذا كان سيُظهر استعداده لاتخاذ خطوات حقيقية في خطابه الجديد اليوم.
يُعقد الأمل في بعض العواصم الأوروبية على أن يلتزم ماكرون بتعهد يصعب على أي رئيس لاحق التراجع عنه دون المساس بمصداقية فرنسا، ولنتأمل في مسألة تخزين الرؤوس الحربية النووية الفرنسية في دول أوروبية أخرى.
لا تنخدع
لكن من الحكمة ألا تركز أوروبا بشكل أعمى على الأسلحة النووية، كما يقول سويجس، ينبغي لأوروبا أيضاً الاستثمار في أنظمة الدفاع الجوي لإيقاف الصواريخ الروسية، وفي صواريخ بعيدة المدى شديدة التدمير لردع الروس، وهذا يمنح الأوروبيين خيارات أوسع في سلم التصعيد، كما أشار خبير الحرب مؤخراً في تقرير له.
قال سويجس: “الردع يعني أن تمتلك أوروبا القدرة والإرادة للرد بقوة على أي هجوم روسي، وأن يعتقد الروس ذلك أيضاً”، وهذا يتطلب أكثر من مجرد مظلة أسلحة نووية.
المصدر: RTL